تاريخ الاضافة: 12 يونيو، 2010 عدد الزوار : 534

رسالة إلى تكفيري

أخي العزيز: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد لمست فيك حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وعرفت عظيم غيرتك على محارمه وحدوده، وبغضك لأعداء الدين والملة، كما عرفت فيك شغفك بالحق والسعي إليه ..مما دفعني لكتابة هذه الكلمات عسى أن تجد فيها ما ينفعك.

أيها الحبيب: رأيتك وسمعتك وأنت تتفوه بكلمات أفزعتني وخشيت عليك منها، تلك هي كلمات التكفير التي خرجت منك وأنت في حماسة فأطلقت رصاصات الكفر على حكّام المسلمين، متهمًا إياهم بالخيانة والعمالة، وداعما رأيك بعدم تحكيمهم شرع الله القويم، وموالاة أعداء الدين، ومعلوم أن الحكم سينسحب بعد ذلك على كل من رضي بهم وهكذا …

أيها المبارك: أرجوك تريّث وتمهل فأنت تتحدث في أمر جلل قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم محذرا ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) كما أن للتكفير شروطًا وموانع تحول دون إطلاقه وإنزاله على شخص بعينه وهو ما يُعرف عند العلماء بـ ( تكفير المعيَّن ) , وبناء على ما سبق فليس كل من تلبس بمُكَفِّر قولاً أو عملاً صار كافرًا؛ فقد يكون جاهلًا أو مكرهًا أو ربما كان مخطئا أو متأوّلا، وكل هذه الاحتمالات الواردة تجعلنا نتريث في إطلاق حكم الكفر عليه؛ لأن التكفير إخراج للمسلم عن دينه وملته.

تأمل أخي قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين فعل أمراً ظاهرُه الكفر والنفاق و الخيانة حين أرسل ذلك الكتاب لكفار مكة يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا فعل به النبي صلى الله عليه وسلم؟ أتى به صلى الله عليه وسلم بين يديه وسأله سؤالا عظيما : ((ما حملك على ما صنعت ؟ )) يسأله عن نيته ودافعه إلى هذا العمل، ولما بيّن له حاطب عذره قبِل منه صلى الله عليه وسلم وعفا عنه، وأثبت أنه ما زال بدريًا و أن الله قد غفر لأهل بدر .

أما الحكم بغير ما أنزل الله فله أحوال فتارة يكون كفراً وتارة يكون فسقًا وقد يكون ظلماً كما هو في صريح الآيات الكريمة فهو يختلف باختلاف الدافع إليه كما بين ذلك المحققون من أهل العلم .

أخي الغالي: لن أتمكن من بيان المسألة في رسالة موجزة كهذه، ولكنها دعوة للتأمل وتحرير العقل من التبعية والتعصب والحماس غير المنضبط, ونداء للتفكر في عاقبة وثمرة التكفير المدمرة التي تؤول إلى تكفير المجتمع شيئًا فشيئا ثم استحلال الدماء والأموال وتحويل بلاد المسلمين إلى ساحة للقتال والجرائم والفساد والفوضى.

وأخيرا : لنثق بعلمائنا الكبار ولا سيما من لقي الله منهم، وليسعنا ما وسعهم، ولنعمل فيما فيه صلاح أمتنا ووطننا وأهلينا لنزيح ستار الضعف عن أنفسنا كما فعل صلى الله عليه وسلم في حال الضعف فكان يوصي بالصبر ((صبرا آل ياسر)) ويشتغل بالدعوة إلى أن مكنه الله ومع أول نقض للمشركين بالعهد قاتلهم وانتصر لهم وفتح مكة، اللهم وفقنا للحق و اهدنا إليه وثبتنا عليه إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . والسلام عليكم .

شارك بتعليق



بدون تعليقات حتى الآن.