تاريخ الاضافة: 30 مايو، 2011 عدد الزوار : 1195

رسالة إلى المفتي

فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أمدكم الله بالصحة والعافية، وجعل التوفيق حليفكم في الدنيا والآخرة، وأنار دروبكم على طاعته، ورزقكم الإخلاص في أقوالكم وأعمالكم .. وبكل الحب والتقدير أبعث إليكم هذه الكلمات الموجزة حول موضوع الفتوى وتبصير الناس بأمور دينهم ودنياهم، سائلاً الله أن يوفقني وإياكم لقول الحق والعمل به حتى نلقاه..


سماحة الشيخ: الفتوى كما لا يخفى على كريم علمكم أمره عظيم جليل، وهو توقيع عن الله تبارك وتعالى، وعلى من يتصدى للإفتاء في أي زمان أن يعلم خطورة هذا المقام وعظم شأنه؛ ويتجلى ذلك في أمور منها: أن المفتي مُوَقِّعٌ عن الله تعالى في أمره ونهيه، يقول ابن القيم: “فإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة”.


ومما يؤكد على خطورة الفتوى أن القول على الله بغير علم أعظم من الشرك، يقول تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } وقد كان السلف رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين يتخوّفون من الفتيا، ويتمنى كل واحد منهم أن يكفيه غيره إياها، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: “أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا” وبناءً على عظم مكانة الفتيا وعلو شأنها فقد وضع العلماء شروطاً كثيرة ينبغي توافرها فيمن يتصدى للإفتاء، كالإسلام والعلم والعدالة في الأقوال والأفعال، وحسن الطريقة وسلامة المسلك، وطلب المشورة من أهل العلم والدين، وشهادة الناس له بهذا المنصب، وغير ذلك من الشروط المطلوبة وهي مبثوثة في مظانِّها وتذكيراً ببعض ما يجب على المفتي أهديكم هذه الوصايا:


أولاً: على المفتي أن يعظّم نصوص الشريعة ويحترمها ولا يؤولها أو يحرفها عن وجهتها الصحيحة.


ثانياً: فهم الكتاب والسنة على ما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم، وتفسير نصوص الوحيين على ما ذكروا وبينوا؛ فهم الحجة في ذلك؛ لأنهم الأقرب إلى عهد النبوة والصحابة.


ثالثاً: أن يحذر المفتي من أن يكون همه مقتصراً على تخليص السائل، بل عليه أن يعمل على تخليص نفسه أولاً، فيفكر في السؤال؛ فإن وجد لنفسه مخرجاً وعلم بالجواب تكلم، وإلا فليقل: “الله أعلم” فذلك هو الأسلم، فإنه يوقِّع عن الله أمره ونهيه، وهو موقوف ومسؤول عن ذلك أمام الله عز وجل.


رابعاً: معرفة أحوال الناس والتفطُّن لتصرفاتهم واليقظة التامة للطرق التي يسلكونها؛ وذلك لينكشف للمفتي مكر بعض المستفتين وخداعهم؛ فلا يغتر بظواهر ما يدلون به في إفتائهم تبعاً لذلك.. وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

شارك بتعليق



بدون تعليقات حتى الآن.